لماذا نخاف من الملل؟

أحمد العرفج

 

يتعامل الناس مع الملل بطريقة خاطئة، حيث يعدّونه حالة مزعجة تستدعي العلاج السريع، وقد تعاملت مع الملل بطريقة أرى أنها مفيدة، وسأنقلها لكم بكل أمانة، وأنقل رأي أحد المختصتين فيها.

في عام 2005 كنت أدرس اللغة الإنجليزية في قرية صغيرة تقع على حدود فرنسا اسمها "رامس قيت"، وكنت أسكن عند عائلة كريمة، وليس في هذه القرية أنشطة كثيرة، فإذا انتهيت من المعهد الساعة السادسة لا أدري ماذا أفعل، فسألت السيدة صاحبة المنزل قائلاً لها: "إنني أشعر أحياناً ببعض الملل، فما هي الأنشطة التي يمكن أن أقوم بها بعد الخروج من المدرسة؟".

فقالت: "ليس في هذه القرية أنشطة، وكل ما عليك هو أن تسمح لنفسك ببعض التململ واستقبال حالات الملل التي ستزول بعد لحظات من قبولها، وتأكد يا "ميدو" وهذا الاسم الذي كانت تطلقه عليّ، إنك لو قبلت الشعور بالملل، ولو لنصف ساعة ولم تقاومه واستسلمت له، ستشعر بعد لحظات بأن أحاسيس السلام ومشاعر الطمأنينة، قد طردت الملل وحلت مكانه، هذا ما كان من تجربتي مع الملل.

أما العلماء والخبراء، فهناك من يؤيد الطريقة التي تعاملت فيها مع الملل، فليس من العيب، بل من الصواب أن نجلس أحياناً في سكون وتأمل واسترخاء، من دون أن نفعل شيئاً ولو لبضع دقائق، وفي ذلك يقول الدكتور (ريتشارد كارلسون) في كتابة الكتاب الكبير للأشياء الصغيرة: "إن الكثير من الأرق والقلق في داخلنا ينبع من عقولنا المشغولة ذات النشاط الزائد التي تحتاج إلى شيء لتسليتها، تحتاج إلى شيء تركز عليه وتتساءل دائماً ماذا بعد؟"، فأثناء تناولنا للعشاء نتساءل عن الفاكهة أو الحلوى التي سنختم بها الطعام، وأثناء تناول الفاكهة أو الحلوى نفكر ملياً فيما يجب علينا عمله بعد ذلك، وبعد ذلك المساء يكون السؤال: "ماذا يجب أن نفعل في نهاية الأسبوع؟" وبعد العودة من الخارج نمشي في المنزل وعلى الفور نشّغل التلفزيون ونلتقط الهاتف ونفتح كتاباً أو نبدأ التنظيف. يبدو الأمر تقريباً كما لو كنا خائفين من فكرة ألا يكون لدينا شيء نفعله، حتى ولو لدقيقة واحدة.

إن الجمال في عدم فعل أي شيء هو أنه يعلمنا أن نفرغ عقولنا ونسترخي، إنه يسمح لعقلك بحرية "ألا تعرف" لفترة قصيرة من الزمن فمثلاً جسدك، يحتاج الوقت ليستريح من الروتين المحموم، وعندما تسمح لعقلك أن يأخذ فسحة من الوقت فإنه يعود أقوى وأكثر حدة وأكثر تركيزاً وإبداعاً.

 

في النهاية أقول:

إن الملل طفلٌ شرس، كلما استمر الإنسان في تغذيته جاع، أما إذا تجاهله الإنسان وتعامل معه بكل قبول وارتياح، فإنه يذهب بعد لحظات لإزعاج غيرك من أولئك الذين يدللونه، وليتنا نتأمل هذا النص للدكتور "ريتشارد كارلسون" من كتابه (الكتاب الكبير للأشياء الصغيرة) حيث يقول: "عندما تسمح لنفسك بالملل فإنك تزيح عن نفسك الضغط الهائل الناتج عن أداء وفعل شيء في كل ثانية من كل يوم، والآن عندما يقول لي أي من طفلي الاثنين: "أبي إنني أشعر بالملل". أرد قائلاً: "عظیم، فلتشعر بالملل لبرهة، إنه شيء جيد بالنسبة لك". وبمجرد قولي ذلك يتوقفان دائماً في التفكير في أنني ساحل لهما المشكلات، ربما لم تفکر من قبل أن يأتي شخص ليقترح بالفعل أن تسمح لنفسك بالشعور بالملل، أعتقد أن لكل شي بداية.