اكتب الكلمات الرئيسية فى البحث

ما تفعله الأفلام 

د. سعاد الشامسي 
د. سعاد الشامسي  
د. سعاد الشامسي

مصادر دخل الإنسان عديدة، حين ننظر لمهنة الصيد، نجد أن الصياد يأتي بالخبز من فم السمكة، والكاتب من فم الكلمة، وحفار القبور من ماء التربة.. 
السؤال يندفع من حلقي الآن: 
ما الذي يدفع إنساناً أن يمارس دوراً آخر أمام كاميرا تلتهم عيون الحاضرين وتصبح مصدر رزق له؟ 
كاتب سيناريو، ممثل، سينمائي كلهم مهن لن يقتنع بها أجدادي، ولو عرف جدي أني أشاهد الأفلام أكثر من أن أحادث الناس، لانتزع الطين من فوقه وجاءني يركض بقبضة ستكسر فكي، لكنه الآن هانئ بقبره بعيداً عن الظلم الحاصل في العالم الذي نهرب منه في مشاهدة الأفلام، ومطالعة الأدب الذي يُربي الخيال فينا.. 
السينما، روضة الخيال، كلما شاهدت فيلماً شعرت بأن للحكاية أبطالها حول العالم، وفصول لا تنتهي تلف جياد الأرض.. 
شاهدت قبل قليل فيلماً يركض على الشاشة منذ السبعينيات، فيلم هادئ لدرجة أن الموسيقى فيه هي خطوات إنسان! يتحدث عن إنسان يُحب الجمال، ولا يجد له تعبيراً مناسباً، فيظل يحدق في وجوه النساء، يبحث عن شيء غير مفهوم، نهاية لم يدهشني الفيلم، ولكن أودع في عقلي سؤالاً: 
هل حقاً نفكر بمن نحب حين يعترض طريقنا الموت؟ وهل ترتقي الروح لذلك المستوى الذي لم تعد ذواتنا تهمنا فيه، بقدر أهمية الأشخاص الذين أحببناهم؟ 
عرفت عن الحروب قبل مجيئي من الأفلام، والآن أنا ألتفت لحديث الأشجار، ممتن لفضل السماء، أسير على ظهر الطريق، تواسيني أعمدة الإنارة الحانية رؤوسها، بفضل الطريقة الشاعرية التي ألقتها الأفلام ومرنت عيني وذاكرتي على أن الجمال موجود حد الألم، ولكن يجب أن نستوعبه أولاً.. 
تُعلمك الأفلام أن للحظة ثمن في حياتك، لحظة كما الأفلام قادرة في الحياة الحقيقية على قلب موازين حياتك الاعتيادية. 
تخيل أن اللحظة، والتي هي الجزء الساكن من الوقت، قد تقوم فيها الحرب، تدفن فيها آلاف الجثث، تموت أمك، تقبل شفاه تُحبها، يخرج أبوك من هالة صمته، ينكسر ضلع في قلبك من قبضة صديق ظننتها يداً حنونة، إنها اللحظة التي تصنع من الحدث بطولة كاملة، تلغي ما حدث قبلها، مُعلقاً على ما فات من حياتك - غير مهم - والآت بعد هذه اللحظة لا يحدد أهميته سوى أنت، قد تُغيظك اللحظة التي حركت النهر الراكد في حياتك، ولكنك لن تنكر أثر الفراشة بعدها.. 
إننا البشر مربوطين بحبل غير مرئي في أقدارنا، نسير على الأرض ذاتها، نضربها بأقدامنا ونلوح للسماء عينها، وتلمع النجوم نفسها في ذاكرتنا، للحياة بطولة مشتركة في بثنا السري.