اكتب الكلمات الرئيسية فى البحث

سجناء الحائط..

مها الأحمد 

وقَفت عند حائط مزدحم بالصور، وضع فوقه أشخاص مختلفون ومتباعدون، حكم عليهم إما بالسجن المؤبد، وإما بمدة يحددها سلوكهم أثناء فترة إقامتهم على هذا الحائط.
 للوهلة الأولى قد يظهر لك أن هذه الصور وضعت بشكل عشوائي، لكنها ليست كما تبدو، فهي في غاية الانتقائية، كما أنها رتبت على يد زمن كان هو العامل الخفي وراء التقاطها، والشاهد الوحيد على رحيل ذكراها لزمن آخر يدعى (الآن)، والآن كما تعرفون مشاعره منحازة لنا وحدنا.
ألقيت التحية ولم أنتظر ردها منهم، وكأنني أعبر الشوارع وأحيي جميع المارين فيها سواء كنت أعرفهم أم لا.
نظرت إلى إحداهن تلك التي تمكث في الأعلى فتغيرت ملامحي، وتملكني غضب لم أفهمه، فانتقلت مسرعة بنظري إلى أخرى كانت مهمتها الوحيدة تهدئتي في مثل هذه المواقف لأعود كما كنت.
أما عند تلك الصورة أفرطت بابتسامتي، وهنا انكمشت كالأطفال خجلة ولمعت عيناي، هناك صورة توقفت عندها لوقت طويل ورفعت يداي لأدعو لصاحبها بالرحمة.
ضحكت وبكيت، تذكرت وتناسيت، ندمت وفرحت، اشتقت وغنيت، هكذا أمضيت ساعتي من دون أن أشعر، وبعد كل تلك المشاعر المتضاربة التي اجتاحتني، ناديت واحدة منهن لأتحدث معها، وأحكي لها عن آخر أخباري لعل باقي الصور تسمع ما أردت أن أقوله، خاصةً وأن هناك بعضاً من أصحابها قد أعلنت مخاصمة عتيقة معهم، واكتفيت بتوبيخهم على هذا الحائط.
وفجأة في إحدى اللحظات أو ربما عند صورة محددة سمعت صوتاً أعرفه يدعوني لأن أثور على هوايتي في تقديس الصور، تلك العادة التي تقودنا للتذكر الاضطراري، الذي يحمل معه في كل مرة مغفرة إجبارية تنسينا ما نحن عليه الآن، وتعيد مشاعرنا إلى لحظة التقاط الصورة، فيقع الصلح كمؤشر لسلامة أرواحنا.
لم أستمع يوماً لهذا الصوت، وحرصت أكثر على أن أبقيهم أمام عيني كل هذه المدة، كي أجبر على هذه المغفرة، فمعها سأتحكم بتأثيرهم علي، ولن تتسلل إلى قلبي ذكراهم كفصل شتاء قارس حل بغير أوانه، ليجعلنا نمطر، ونرتجف من دون استعداد منا لقدومه.
فبعض من الصور هي كالدواء الوقائي لسلامتك، وبعضها الآخر هي ترياق لذكراك المؤلمة، تلك التي أخفيتها داخلك، فالتقطها قلبك عوضاً عن حائط يبقي مشاعرك في فصل ربيع متسامح.