الكرم والبخل في ميزان الشعر العربي

الشعر الحر
 الشعراء يمدحون أهل الكرم والسخاء (ألمصدر: unsplash by clark-young)
الشعر الحر
الشعراء يهجون أهل البخل والشح (ألمصدر: unsplash by clark-young)
الشعر الحر
الشعر الحر
2 صور

الكرم من القيم الإنسانية الأصيلة والشيم البارزة في تاريخ العرب القديم، والبخل من الصفات الرذيلة والمذمومة عندهم، فالكرم من الأخلاق التي تجسد النبل والإيثار والسخاء والجود، والبخل دليل على قلة العقل وسوء التدبير، وهو أصل لنقائص كثيرة، ويدعو إلى خصال ذميمة، ولطالما اعتُبر الكرم من أخلاقيات الأصالة الراسخة، وسلوكيات الفضيلة المتوارثة، ودليل طيب الأصل، وشرف العنصر، وميزان المروءة التي يسير عليها الرجل فيوصي بها أبناءه من بعده، فالكرم لايتعلق بغني أو ذي مال وفير، إنما هو غريزة وطابع وسمت في الإنسان يدفعه للقيام لإيثار الآخرين على نفسه، فالشخص الكريم كثير الخير، جواد، معطاء، لَا ينفد عطاؤه، ولهذه القيمة الكبيرة والمنزلة الرفيعة كان الكرم القيم الأكثر تداولاً في الأشعار والكتابات القديمة عند العرب، وفي ظل إطلاق السعودية على العام الحالي (2023) عام الشعر العربي، واحتفاءً بدوره الحضاري وقيمته المحورية في الثقافة العربية، سيدتي التقت الشاعر والأديب علي الشيمي عضو اتحاد كتاب مصر في حديث حول الكرم والبخل في ميزان الشعر العربي.

• الكرم عند العرب من مئات السنين

الشعراء يمدحون أهل الكرم والسخاء (ألمصدر: unsplash by clark-young)


يقول الشاعر والأديب علي الشيمي لسيدتي : صفة الكرم من الصفات العظيمة والأصيلة والتي كانت موجودة في العرب، فهي قيمة اجتماعية، وصفة ملازمة للنبلاء وتدل على الأخلاق الحميدة والأصل الطيب، عرفها منذ الأزل أصحاب النفوس العظيمة في تعاملاتهم، وجعلوها دليل الرفعة والفخار، لما فيها من الإيثار، وعلو الهمم والأقدار، فقد كانوا يعمدون للمبالغة في مدح الكريم وذمّ البخيل، ويؤكد الشيمي أن شيمة الكرم عند العرب، كانت منذ مئات السنين مجالاً للتفاخر والزهو بين الشعراء فكان يُضرب به الأمثال، وتساق من أجله الحكم وتروى من خلاله المآثر، فهو قيمة إنسانية وأخلاقية وثقافة اجتماعية شديدة الخصوصية، ومن أشهر من اتُصف بالكرم حاتم الطائي، والذي كان يُضرب به المثل، وكان من كرمه أنه يعتق العبد إذا جاءه بضيف.
- من أقوال حاتم الطائي:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس رزقاً بعيش مقتر ... لكل غد رزق يعود جديد

• الشعراء في مدح أهل الكرم والسخاء

الشعراء يهجون أهل البخل والشح (المصدر: unsplash by clark-young)

يقول الشاعر علي الشيمي: لطالما عًرف عن العرب كما قلنا إنهم أهل كرم وجود وسخاء ولقد عبر الشعر العربي عن ذلك، وبالعكس فقد انتقد وسخر وانتقص من البخل والبخلاء أيضاً في أشعاره، فتلك الصفة التي جعلت أحد الأعراب يذبح ناقته عن طيب خاطر، وبمنتهى الرضا، عندما زاره أحد الشعراء، خوفاً من أن يُتّهمَ بالبخل، وخاف هذا الرجل أن يهجوه ذلك الشاعر بسبب بخله، والحقيقة أن الرجل لم يكن بخيلاً بل كان فقيراً، لدرجة أنه لم يكن في بيته شيء من طعام، لكن الضيف لا يعلم ذلك، فما كان من هذا الرجل إلا أن قام وذبح ناقته، وأطعم ضيفه، وأكرمه غاية الإكرام بما عنده، فلمّا علم الشاعر بحاله، وكان لهذا الرجل بناتٌ لم يتزوجن بعد، فكتب الشاعر قصيدة مدحه فيها بالكرم، ومدى السخاء والجود، وما كان من ذبحه ناقته لإطعام ضيفه، ولما ذاع أمر القصيدة بين القبائل تسابق الرجال للزواج من بنات هذا الرجل الفقير الكريم، ومن عظمة هذه الصفة، ومما يُروى أن حاتم الطائيّ أكرم العرب رأى ابنه يوماً يزجر الكلاب، فنهاهُ عن ذلك قائلاً: إن هذه الكلاب تدلُّ الضِّيفانَ عليّ، وحاتم الطائي كان شاعراً كريماً.

- و الشعراء يبدعون في مدح الكرم منها قول القائل لأحد ممدوحيه الكرماء الأسخياء:

أأذكرُ شيمتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرء يوماً.. كفاه من تعرضك الثناءُ
فهذا الممدوح لا يحتاج أن تذكر له مسألتك، لكي يعطيك ما تريد، بل يكفيك أن تثني عليه أو أن تدعو له.

- وكذلك نجد الإمام الشافعيّ ( رضي الله عنه) يمدح صفة الكرم قائلاً:

دعِ الأيامَ تفعلْ ما تشاءُ.. وطِبْ نفساً إذا حكمَ القضاءُ
ولا تجزَعْ لِحادِثةِ الليالي..فمَا لِحوادِثِ الدُّنيا بقاءُ
يُغطّى بالسماحةِ كُلُّ عيبٍ..وكم عيبٍ يُغطّيهِ السّخاءُ!
فنجد في البيت الأخير من أبيات الإمام الشافعي السابقة الذكر يقول: إن السخاء والكرم يغطي على كل عيب عند الإنسان، وكأنّ فضيلة الكرمَ تجبّ ما عداها من صفات سيئة.

- ونجد شاعر النيل حافظ إبراهيم يقول:

إنّي لتطربني الخلالُ كريمةً.. طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ
وتَهزُّني ذكرى المروءةِ والنّدى..بين الشمائل هزّةَ المشتاقِ
فنراهُ في البيت الثاني يجعل فضيلتَيْ الشهامة والكرم من أجمل وأفضل الأخلاق التي يجب أن تكون في كل إنسان، والنص كله يدعو إلى مكارم الأخلاق.

- ويقول الشاعر السموأل بن عادياء مفتخراً بكرم قبيلته:

تعيِّرنا أنّا قليلٌ عدِيدُنا..فقلتُ لها: إن الكرامَ قليلُ
وهو لا يقصد قلة الكرام بقدر ما يقصد تميُّزَ وتفرّدَ قومه أصلاً وعراقةً وسخاءً بين العرب.

- ويقول أبو العلاء المعري:

إِذا صَاحَبتَ في أَيّامِ بُؤسٍ فَلا تَنسَ المَوَدَّةَ في الرَخاءِ وَمَن يُعدِم أَخوهُ عَلى غِناهُ فَما أَدّى الحَقيقَةَ في الإِخاءِ وَمَن جَعَلَ السَخاءَ لِأَقرَبيهِ فَلَيسَ بِعارِفٍ طُرُقَ السَخاءِ.

• الشعراء في ذم البخل والبخلاء

الشاعر والأديب علي الشيمي عضو اتحاد كتاب مصر - الصورة مرسلة من قبل الشاعر


ولقد ذمّ كثيرٌ من الشعراء البخل والبخلاء، ومنهم على سبيل المثال:

- والشاعر العباسيّ أبو نواس الذي يقول ساخراً ومتهكّماً من أحد البخلاء:

رأيتُ الفضلَ مكتئباً... يُناغي الخُبزَ والسّمكَا
فقطَّبَ حينَ أبصرَنِي..ونكَّسَ رأسَهُ وبَكَى
فلمَّا أنْ حلفتُ لهُ..بأنِّي صائمٌ ضَحِكَا

- ويقول ابن الرومي كذلك في ذم البخل:

إذا غمر المالُ البخيلَ وجَدْتَهُ
يَزيدُ به يُبساً
وإن ظُنَّ يَرْطُبُ وليس عجيباً
ذاك منه ُ فإنهُ
إذا غمر الماءُ الحجارةَ تَصلبُ.